عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

229

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الياقوتة البيضاء التي هي أصل الوجود بنظر الكمال ، فذابت فصارت ماء ، فلهذا ما في الوجود شيء يحمل كمال ظهور الحق تعالى إلا هو وحده ، لأن حقيقة الحقائق التي هي أصل لم تحتمل ذلك إلا في البطون فلما ظهر عليها ذابت لذلك ، ثم نظر إليها بنظر العظمة فتموّجت لذلك كما تموّج الأرياح بالبحر ، فانفهقت كثائفها بعضها في بعض كما ينفهق الزبد من البحر ، فخلق اللّه من ذلك المنفهق سبع طباق الأرض ، ثم خلق سكان كل طبقة من جنس أرضها ، ثم صعدت لطائف ذلك الماء كما يصعد البخار من البحار ، فتقها اللّه تعالى سبع سماوات ، وخلق ملائكة كل سماء من جنسها ، ثم صير اللّه ذلك الماء سبعة أبحر محيطة بالعالم ، فهذا أصل الوجود جميعه ؛ ثم إن الحق تعالى كما كان في القدم موجودا في العماء التي عبر عنها بحقيقة الحقائق والكنز والياقوتة البيضاء ، كذلك هو الآن موجود فيما خلق من تلك الياقوتة بغير حلول ولا مزج ، فهو متجلّ في أجزاء ذرّات العالم من غير تعدد ولا اتصال ولا انفصال ، فهو متجلّ في جميعها لأنه سبحانه وتعالى على ما عليه كان ، وقد كان في العماء ، وقد كان في الياقوتة البيضاء ، وهذا الوجود جميعه تلك الياقوتة وذلك العماء ، ولو لم يكن الحق سبحانه وتعالى متجليا في الوجود جميعه لكان سبحانه تغير عما هو عليه وحاشاه عن ذلك ، فما حصل التغير إلا في المجلى الذي هو الياقوتة البيضاء لا في المتجلى سبحانه وتعالى ، فهو بعد ظهوره في مخلوقاته باق على كنزيته في العماء النفسي فتأمل . وقد ذكرنا فيما مضى أمر العماء وحقيقة الحقائق على جلية ، هذا وقت ذكر الأشياء الموجودة في حقيقة الحقائق ، فأوّل ما نذكر السبع سماوات . اعلم أن السماء هذه الملحوظة لنا ليست بسماء الدنيا ولا لونها لونها ولا وصفها وصفها ، وهذه التي نراها هي البخار الطالع بحكم الطبيعة من يبوسة الأرض ورطوبة الماء ، صعدت بها حرارة الشمس إلى الهواء ، فملأت الجو الحالي الذي بين الأرض وبين سماء الدنيا ، ولهذا نراها تارة زرقاء وتارة شمطاء وتارة غبراء ، كل ذلك على حكم البخار الصاعد من الأرض ، وعلى قدر سقوط الضياء بين تلك البخارات ، فهي لاتصالها بسماء الدنيا تسمى سماء الدنيا نفسها ، فلا يقع النظر عليها لشدة البعد واللطافة ، ثم إنها أشد بياضا من اللبن ، وقد ورد في الحديث « أن بين سماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام » وبالاتفاق أن النظر لا يقطع مسيرة خمسمائة عام ، فظهر أن المرئية لنا ليست السماء عينها ، ولولا أن الكواكب تسقط شعاعها إلى